وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن جزءاً من المفاوضات غير المباشرة بين إيران وأمريكا بوساطة عمان، خلال الأشهر الأخيرة (حتى يونيو 2025)، تناول موضوع تشكيل كونسورتيوم للتخصيب من أجل إدارة البرنامج النووي الإيراني.
ما هو كونسورتيوم التخصيب الإقليمي؟
بحسب صحيفة نيويورك تايمز، قدّمت أمريكا اقتراحاً مكتوباً يقضي بإنشاء كونسورتيوم إقليمي بمشاركة إيران والسعودية والإمارات والولايات المتحدة تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويهدف الاقتراح إلى وقف تام لتخصيب اليورانيوم داخل الأراضي الإيرانية، وتأمين وقود المفاعلات الإقليمية عبر هذا الكونسورتيوم.
موقع أكسيوس كشف مزيداً من التفاصيل قائلاً إن الولايات المتحدة طرحت اقتراحين رئيسيين: الأول، إنشاء كونسورتيوم إقليمي لتخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية بإشراف الوكالة والولايات المتحدة، بشرط أن تُقام منشآت التخصيب خارج إيران. الثاني، الاعتراف بحق إيران بالتخصيب مقابل تعليق كامل لنشاطاتها داخل إيران. ويشير التقرير إلى أن موقع المنشآت هو موضع الخلاف الرئيسي، إذ تصر أمريكا على أن يكون خارج إيران.
كما أفادت صحيفة وول ستريت جورنال بأن واشنطن تسعى إلى وقف تام للتخصيب الإيراني وتفكيك أجهزة الطرد المركزي، فيما يقترح الكونسورتيوم تزويد إيران من الخارج بالوقود اللازم لمفاعلاتها البحثية.
تعكس هذه المقترحات محاولة أمريكية لإزالة قدرة إيران على التخصيب، وهو مطلب إسرائيلي واضح. ونقلت نيويورك تايمز (في 28 مايو 2025) عن قلق إسرائيل من أن يمنح دونالد ترامب إيران حق الاحتفاظ ببعض منشآتها، وهو أمر غير مقبول بالنسبة لتل أبيب.
موقف إيران من الكونسورتيوم
تتبنّى إيران رؤية مغايرة تجاه الكونسورتيوم، فبينما لا ترفض مبدئياً تشكيل كونسورتيوم تخصيب، فإنها تراه كمكمّل لبرنامجها وليس بديلاً عنه.
وقد أكّد ذلك عدد من المسؤولين الإيرانيين، حيث قال عباس عراقجي خلال مراسم توقيع كتابه في طهران (15 مايو 2025) إن إيران لن تتخلّى أبداً عن منشآت التخصيب، وإن حق التخصيب لأغراض سلمية غير قابل للتفاوض.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إن التخصيب داخل إيران مبدأ لا يقبل التفاوض، وإن إيران لم تقدّم أي مقترح رسمي لتشكيل كونسورتيوم، رغم أن الفكرة مطروحة منذ سنوات.
وفي تصريح اليوم الاثنين، قال بقائي: «هذه ليست فكرة جديدة، ومن الطبيعي أن ترد من بعض الأطراف. المهم أن الكونسورتيوم لا يمكن أن يكون بديلاً للتخصيب داخل البلاد. إذا كان هناك عرض للتعاون فنحن نرحب، لكن نؤكد أنه لا يمكن أن يحلّ محل التخصيب الإيراني».
لكن النموذج المفضّل لدى واشنطن يبدو مشروطاً بأن لا تكون منشآت التخصيب في إيران، وأن تُنقل المواد المنتَجة من الخارج إلى الداخل الإيراني عند الحاجة.
هذا الطرح يتعارض بوضوح مع الخط الأحمر الإيراني، ولا يُعدّ نموذجاً موثوقاً بالنظر إلى سوابق الغرب.
لماذا تصرّ إيران على موقفها؟
يرجع الإصرار الإيراني إلى تجارب سابقة مع الغرب، أبرزها أزمة وقود مفاعل طهران عام 2010، حين رفضت الدول الغربية، خاصة فرنسا، تزويد إيران بوقود مخصّب بنسبة 20% لأغراض طبية، ما اضطرّها لإنتاجه بنفسها، وهو ما صعّد التوتر.
مورد آخر، الاتفاق الفاشل بين تركيا والبرازيل في عام 2010، المعروف بـ«إعلان طهران». فقد وافقت إيران على نقل 1200 كيلوغرام من اليورانيوم منخفض التخصيب إلى تركيا، مقابل الحصول على وقود مخصب بنسبة 20٪ لمفاعل طهران. وقد تم هذا الاتفاق بوساطة من تركيا والبرازيل، لكن الولايات المتحدة وحلفاءها رفضوه، وبدلًا من دعمه، فرضوا عقوبات جديدة على إيران عبر مجلس الأمن الدولي.
كذلك انسحاب الولايات المتحدة الأحادي من الاتفاق النووي عام 2018 ترك أثراً عميقاً في رؤية إيران. الاتفاق الذي وُقِّع عام 2015 ألزم إيران بتقليص نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 3.67٪، وتقليل عدد أجهزة الطرد المركزي. لكن قرار دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاق وفرض عقوبات "الضغوط القصوى"، رغم التزام إيران بتعهداتها، أظهر أن التزامات الغرب قد لا تكون دائمة أو موثوقة.
كونسورتيوم: هل هو حل أم عقدة؟
في مثل هذه الظروف، لا يمكن لتشكيل الكونسورتيوم أن يكون حلاً ناجعاً إلا إذا اعترفت الولايات المتحدة بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، وعمل الكونسورتيوم كمكمّل لتأمين الوقود الإضافي أو كآلية للتعاون الإقليمي.
ولكن إذا أصرت الولايات المتحدة على موقفها الحالي، أي القضاء الكامل على التخصيب داخل إيران، فلن يُسهم الكونسورتيوم في حلحلة المفاوضات، بل سيزيدها تعقيداً. وفي نهاية المطاف، فإن نجاح الكونسورتيوم كحلّ يعتمد على قدرة الأطراف على إيجاد نقطة توازن مشتركة.
ويبدو أن الاعتراف الأمريكي بحق إيران في التخصيب، مع ضمانات عملية لاستدامة الاتفاق، هو المسار الوحيد لتقليل الخلافات وتمهيد طريق التفاهم. وإلا، فإن الكونسورتيوم قد يتحوّل إلى أداة لتعميق الخلاف لا حله.
/انتهى/