يروي أبو ضياء ذكريات ومواقف تعبّر عن تواضع الشهيدين الحاج قاسم سليماني والشهيد أبو مهدي المهندس، التزامهما الديني، وصلابتهما في مواجهة التحديات، كما يتوقف عند دورهما في ساحات القتال ضد داعش، وفي الدفاع عن وحدة العراق والمنطقة. ومن خلال شهادته، يؤكد أن استهدافهما لم يُضعف المقاومة كما توقّعت واشنطن، بل زادها إصرارًا على مواصلة الطريق، مستندة إلى إرث طويل من التضحيات الممتد من ثورة الإمام الحسين (ع) إلى قادة المقاومة المعاصرين.
لم يكن اغتيال القادة الشهداء الحاج قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس نهاية الطريق كما أرادت واشنطن، بل كان بداية فصل جديد من الصمود والتحدي. في هذه المقابلة الخاصة مع وكالة تسنيم الدولية للأنباء، يفتح الحاج أبو ضياء الصغير قلبه ليكشف عن ملامح إنسانية وقيادية فريدة في شخصيتي الشهيدين، وعن ذكريات تختصر معنى الإيمان والوفاء والتجرد في سبيل الله. من ساحات القتال ضد داعش إلى مواقف الدفاع عن وحدة العراق والأمة، يروي أبو ضياء كيف تحوّل دم الشهداء إلى وقودٍ جديد للمقاومة، وكيف أثبتت الشعوب أن مشروع الاستكبار لن ينجح في كسر إرادة الأحرار. هذه الشهادة ليست مجرد سردٍ للذكريات، بل هي تأكيد أن المقاومة اليوم أكثر قوةً وإصرارًا، وأن دماء سليماني والمهندس ستبقى منارةً للأجيال القادمة في مواجهة الظلم والطغيان.
.
وتحدث أبو ضياء الصغير خلال المقابلة مع وكالة تسنيم الدولية للأنباء عن الأعوام الأولى التي عرفا بها الشهيد الحاج قاسم سليماني وقال ان فترة التعرف على الشهيد سليماني تعود لفترة التسعينيات من القرن الماضي، وذلك عندما كنت اعمل في مكتب السيد محمد باقر الحكيم (رض) في إيران، واستمرت العلاقة مع الشهيد الحاج قاسم سليماني حتى فترة استشهاده.
وأضاف: عندما كنا نلتقي بالشهيد سليماني كنا حقيقة نشعر بمبادئ الامام الخميني (رض) والامام الخامنئي (دام ظله الشريف) ونشعر بالاخلاق الإسلامية الحقيقية لدى هذا الرجل.
وحول شخصية الشهيد سليماني يقول أبو ضياء الصغير، انه كان قائدا بدينه وباخلاقه وتاكيده على العمل في الله ولله والتجرد من كل شيء في العمل سوى الا انه يجب ان يكون خدمة للناس.

وخلال حديثه تطرق الى احد الذكريات بحيث يقول ان الشهيد الحكيم قال لي في أحد الأيام، انت تنادي الحاج قاسم سليماني باسمه وهو لديه رتبه عسكرية، ومن الأفضل ان تسأله لكي تتأكد من ان ليس لديه مشكلة عندما تخاطبه باسمه وليس برتبته العسكرية، فسألته عن هذه القضية، فاجابني من قال لك لا يمكن ان تناديني باسمي، كن مرتاحا فحتى كلمة الحاج قاسم هي كبيرة بالنسبة لي ويمكن ان تناديني فقط بـ قاسم او فقط بـ سليماني وليس أكثر من ذلك.
وفي اشارته الى حضور الشهيد سليماني في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي يقول الحاج أبو ضياء الصغير انه كان "رجل ميدان"، هو يتوكل على الله مئة بالمئة ويعمل بالتكليف ولا يخالف التكليف قيد انملة، وكان ينفذ أوامر الامام الخامنئي دون ترديد او تراجع، وبالتوكل على الله سبحانه وتعالى، وكان يتخذ قراراته بصبر وتأني، وعندما يجلس مع الأشخاص يتعامل معهم بناء على المصلحة العليا للاسلام.
وأردف قائلا: كان يوصينا دائما بالاهتمام بعوائل الشهداء والتوكل على الله سبحانه وتعالى والتوسل بالائمة الاطار، خاصة زيارة الامام الرضاء عليه السلام، وتجديد العهد معه لمواصلة الطريق وفقا لتعاليم الإسلام، وعندما كنت اذهب الى بيته واطلب منه هدية، فكان يهديني القرآن الكريم.
وحول القضايا الأمنية التي كان يتبعها الشهيد سليماني في حياته اليومية وعملة يقول أبو ضياء الصغير، كان عادة يتردد بمجرد سيارة واحدة، ويتحرك بهذه البساطة دون ان يستخدم سيارات مظللة او سيارات مصفحة، وفي الحماية لا يكلف الا شخص او شخصين يكونون برفقته وحتى عندما كان يأتي الى العراق وهو كان مطلوبا من قبل الأمريكان، وهم يبحثون عنه بشدة فلم يكن يستخدم عادة الا سيارة واحدة في تنقلاته.
وحول علاقة الشهيدين سليماني وأبو مهدي المهندس يقول أبو ضياء: عندما يذكر الحاج قاسم يذكر أبو مهدي المهندس الى جنبه، فكان هناك تشابه كبيرا في عملهم وفي نياتهم وفي تواضعهم، فكانت إرادة رب العالمين ان يعيشا معا لفترة طويلة وأيضا ان يستشهدا معا، وحتى ان يدفنان معا، بحيث انا لدي اعتقاد ان أجزاء من جسد أبو مهدي قد دفنت مع الحاج قاسم في كرمان، وأجزاء من جسد الحاج قاسم قد دفنت مع أبو مهدي في النجف الاشرف، لان دمائهم واجسامهم قد اختلطت بسبب شدة الانفجار وكان من الصعوبة تشخيص بعض الأجزاء من الأجساد انها تعود لمن من هذين الشهيدين بعد عملية الاستهداف.
وحول الشخصية الرفيعة التي كان يتمتع بها الشهيد أبو مهدي المهندس قال أبو ضياء الصغير، مع احترامي لجميع القادة فان ما يميز الشهيد أبو مهدي المهندس عن الكثير من القادة العسكريين الآخرين هو تواضعه ونزاهته في المبادئ وشجاعته وصبره وحكمته تجاه الكثير من القضايا.
وخلال حديثه أشار أبو ضياء الصغير الى الاحتجاجات التي شهدها العراق عام 2019، مشيرا الى انه قد اجتمع كل القادة الأمنيين في العراق من اجل الوصول الى حلول لهذه الاحتجاجات ولم يتمكنوا من ان يجدوا حلولا، وعندما طالبت القيادات التي كانت بتلك الاجتماع الشهيد أبو مهدي المهندس ان يتدخل الحشد الشعبي ويتصدى الى المتظاهرين، فقال لهم: صحيح ان الحشد الشعبي قوي لكن نحن شكلنا من اجل ان نحرر أهلنا في العراق لكي يشعروا بالأمن والأمان، فهل انتم الان تريدون منا ان نقتل أهلنا؟!، من اجل ان يعيش السياسيين بأمن وامان على حساب دماء شعبنا، نحن لن نفعل ذلك على الاطلاق. هؤلاء أولادنا وشعبنا وعندهم مطالب محقة ويجب على السياسيين ان يعالجوا هذه المشاكل وعندها تنتهي المشكلة، لكن اذا ما اردتم ان نتصدى نحن لأبناء شعبنا، فنحن لن نفعل ذلك.

ويضيف: كل القيادات العسكرية يقولون انه عندما كان يأتي أبو مهدي فنحن نرتاح نفسيا وتصبح المشاكل الصعبة امامنا سهلة وبما ان رأيه سديد، فكان كلامه مطاع من قبل الجميع.
وحول ما كان يخشاه أبو مهدي المهندس على العراق، قال أبو ضياء الصغير، وحدة العراق وحالة التشرذم وأيضا وحدة الصف الشيعي، وعلى سبيل المثال فيما يخص انتخاب رئيس الوزراء، فهو دائما يحاول لملمة الموقف من خلال اتصالاته ولقائاته مع مختلف الأشخاص المعنيين للوصول الى اتفاق، او عندما تكون هناك خلافات حول بعض الوزارات، ففي مثل هذه الأوقات كان يأتي الشهيد أبو مهدي المهندس لحلحلة الخلافات لكي تصل الأمور الى نتيجة مرجوة.
وتطرق أبو ضياء خلال حديثه مع تسنيم الى الاحداث التي شهدتها المنطقة في سوريا واليمن وفلسطين ولبنان والعراق وغيرها من المناطق، والمواجهة التي تجري بين شعوب هذه الدول ضد السياسات الأمريكية، موضحا ان ادعاء ترامب والذي قال ان المقاومة ستنهار بعد استهداف الشهيدين سليماني والمهندس، ثبت أنه ادعاء غير صحيح والدليل استمرار المواجهة في هذه الدول ضد المشروع والسياسات الأمريكية، وذلك بالرغم من استمرار الجرائم الأمريكية في المنطقة خاصة دعمها لجرائم الاحتلال تجاه الشعب الفلسطيني.
وحول استمرارية حركة المقاومة المناهضة للظلم والمستكبرين على مدى التاريخ الإسلامي يقول أبو ضياء الصغير انه كما ان الشهيد السيد حسن نصر الله ارثه في المقاومة يعود الى السيد عباس الموسوي، والسيد عباس أيضا ارثه في المقاومة يعود للشيخ راغب حرب، فان هذه السلسلة تعود الى أئمة أهل البيت المعصومين عليهم السلام وتصل الى سيد المقاومة والذي هو الإمام الحسين عليه السلام، فنحن في العراق أيضا نعود في المقاومة الى الشهيد الحكيم والسيد الصدر، الى أن نصل الى قدوتنا وهو الامام الحسين (ع)، فكلنا نجتمع حول ثورة الإمام الحسين (ع) والتي هي الثورة العظيمة التي علمتنا وعلمت الأجيال وتعلم الأجيال القادمة ان شاء الله كيفية مقاومة الظلم والطغيان والاستبداد.
وفيما يخص ضروة احياء ذكرى الشهداء القادة على مستوى إقليمي ودولي، لتعريف الشباب والشعوب الأخرى بما قدمه هؤلاء الشهداء، ينتقد أبو ضياء الجهات التي قصرت في هذا السياق ويقول: للأسف الدولة مقصرة بحق هؤلاء الشهداء بشكل كبير بحيث لم يعقدوا لهم مؤتمرا على المستوى الدولي ولا حتى احتفالا على مستوى المنطقة، لا نشاط من قبل وزارة الفنون والثقافة ولا أفلام ولا أي شيء أخر، بالرغم من أن دماء الشهداء هي التي جعلتنا نحن جميعا اليوم ثابتين على المكان الذي نحن عليه الآن، والمسؤولين أصبحوا على الكراسي التي هم عليها، وحتى عندما نريد ان نسمي بعض المدارس على أسماء الشهداء فنجد معاناة كبيرة في هذا الاتجاه.

وحول دعوة القادة الشهداء البارزين للوحدة بين شعوب ودول المنطقة وابتعادهم عن الخلافات والقضايا التي تفرق المجتمعات الإسلامية، أشار أبو ضياء الصغير الى ان الشهيد سليماني كان من إيران وأبو مهدي المهندس من العراق والسيد حسن نصر الله من لبنان وأيضا السيد عبد الملك الحوثي من اليمن، لكن سليماني لم يفضل إيران على لبنان، والسيد حسن نصر الله لم يفضل لبنان على العراق، بحيث كنا نشعر جميعا اننا أصحاب مبدأ واحد، فلم يستغلوا مكانتهم لقضايا دنيوية مثل الانتخابات والكراسي ومصالحهم الشخصية.
وحول الحدث الكبير وهو استهداف موكب الشهيدين الحاج قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس على طريق مطار بغداد من قبل القوات الأمريكية في العراق بتاريخ الثالث من كانون الثاني عام 2020 ، يقول أبو ضياء الصغير أنه عندما سمعنا بهذا الحدث، فقد "كان ذلك اليوم رهيبا علينا واصبنا بالذهول" ولكن رغم ذلك صبرنا وصمدنا في مكاننا.
ويضيف: بعد ما استشهد الشهيد ابومهدي المهندس فنحن حينها شعرنا بفراغ كبير جدا جدا، وذلك عندما كنا لا نعرف من أي شخص نتخذ القرار بعد ان تاكدنا ان الشهيدين قد تم استهدافهما، فهنا كنا لا نعرف، "اين نذهب وماذا نفعل وقد تشتت جمعنا"، لكن رغم المصاب الأليم فقد أصررنا على الصمود والثبات.
ويضيف بعدما تأكد نبأ استشهاد الشهيدين سليماني والمهندس، وتأكدت إيران من ذلك، فقد طلبت إيران طائرة لنقل شهدائها لإيران وعندها في ذلك الوقت، "الله يجزي السيد عادل عبد المهدي بالخير"، قال جهزوا بدل الطائرة، طائرتين لنقل الجثامين، خشية من أن تستهدف أمريكا هذه الطائرة ولإجراءات امنية أخرى.
ويستذكر أبو ضياء الصغير مراسم التشيع التي جرت للشهداء في العراق من قبل الشعب العراقي تكريما لتضحياتهم على مدى عقود من الزمن حيث يقول: لقد جرى ذلك التشيع العظيم بحيث امتلئت شوارع بغداد بهذا التشيع، وامتد التشيع من بغداد لكربلا المقدسة وللنجف الاشرف، الى ان انتقلنا لمدينة الأهواز في إيران، حيث رأينا اجتماعات الناس وكأنه قد قامت القيامة، بعد ذلك نقلت الجثامين الى طهران ومشهد المقدسة وقم المقدسة فرأينا أيضا الوضع هناك كذلك، بعد ذلك ذهبنا الى كرمان حيث مكان دفن الشهيد سليماني، وكان هناك الملايين من الناس مستعدين لتشيع الشهداء.
وبالعودة الى مراسم التشيع المهيب الذي جرى بشكل عفوي من قبل مختلف شرائح الشعب العراقي في بغداد والمدن الأخرى للشهيدين سليماني وأبو مهدي المهندس ورفاقهم، تطرق أبو ضياء الصغير الى مشاركة أبناء المرجع الديني آيت الله السيد علي السيستاني دامه ظله الشريف، قائلا، ان أبناء السيد السيستاني كانوا معنا في التشيع وقد جلسنا لأكثر من ساعة ونصف في الأجواء الباردة بسبب التأخير في وصول الجثامين الطاهرة، مؤكدا أن جميع المرجعيات الدينية الأخرى في العراق شاركت بهذه المراسم الكبيرة، لانهم شعروا بانه هناك مظلومية كبيرة وقد فقدنا "قادة عظماء".

ويقول أبو ضياع الصغير أن رجال أمثال الشهيدين الحاج قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس جاهدوا لفترة طويلة من الزمن، وكان من حقهم وفضل الله سبحانه وتعالى عليهم أن ينالوا شرف الفوز بالشهادة، فهم فازوا وربحوا ربحا كبيرا، لكن بالنسبة لنا، فنحن نفتقدهم بشكل كبير ونحن الآن بأمس الحاجة الى هؤلاء الشهداء، كـ الشهيد قاسم سليماني والشهيد السيد حسن نصر الله والشهيد أبو مهدي المهندس، لأن هؤلاء الأشخاص التنفيذيين هم في الحقيقة من ضمن العظماء ومن القلة القليلة، وهذا الشعور بالحاجة اليهم بالرغم من أن الخير والبركة موجودة، "فلدينا السيد السيستاني حفظه الله والسيد الخامنئي والذين هما بمثابة الخيمة فوق رؤسنا".
وفي نهاية هذه المقابلة كانت هناك العديد من الوصايا التي تطرق اليها الحاج أبو ضياء الصغير، دعا من خلالها الجيل الحاضر والاجيال القادمة وخاصة فئة الشباب ان يبحثوا ويتعمقوا في حياة الشهداء، ويدرسوا مسيرتهم بعناية فائقة لاستخلاص العبر والدروس، والاستفادة منها في الحياة.
/انتهى/