صناعة الثورات... لبنان إلى أين؟

عشرة أيّام مرّت على الحراك الشّعبي في لبنان جعلت الصّورة أكثر وضوحًا حول طبيعتها بين مطالب شعبيّة محقّة وبين سيناريو خُطّط ويخطط لهذا البلد الشّرق أوسطي المقاوم.

صناعة الثورات... لبنان إلى أین؟

وكالة تسنيم الدّوليّة للأنباء: قبل الدّخول في الأوضاع اللبنانية الحالية لا بُدّ من الإضاءة على النظام الاقتصادي في لبنان لمعرفة أسباب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وحتّى السياسية المأزومة في لبنان. فالاقتصاد في لبنان هو ريّعي، بمعنى آخر هو اقتصاد يقدّم الخدمات المصرفية والسياحية والتّجارية على حساب دائرة الانتاج المحلية التي تم إعدامها منذ ثلاثة عقود حتّى اليوم وبالتّالي فإن أي استمرار لهذا الاقتصاد يتطلب استقرارًا داخليًّا ونموًّا اقتصاديًّا مستمرًا كذلك الحفاظ على التدفقات المالية بالعملة الصّعبة من الخارج.

1) الاستقرار الدّاخليّ

الاستقرار الدّاخلي في لبنان هو مسألة حياتية لجميع اللبنانيين إذ لا يُمكن أن يعيش لبنانيًّا بدون الحفاظ على خصوصية نظيره في المواطنية، وإذا ما تم المساس بهذه الخصوصية يتعرّض هذا الاستقرار للاهتزاز وبالتالي الى خطرٍ اقتصادي حقيقيّ. في الحقيقة تم الحفاظ على استقرار لبنان خلال 30 سنة خلت تحت مظلة دولية تراعي الانقسامات اللبنانية أو ربّما تدير الخلاف بين مختلف أطياف الشّعب اللبناني وممثليه السياسيين. ومن هذا المنطلق نرى كيف أن مختلف الرؤى السياسية في لبنان بين أطراف تؤيّد الغرب الرأسمالي وبين أطراف تحمل مشروع المقاومة ضد الكيان الاسرائيلي والهيمنة الأمريكية يجتمعون على طاولة فيها الكثير من التناقضات؛ يُضاف الى هذه التناقضات مسألة المحاصصة السياسية والخدماتية لكل طائفة والتي كانت من نتائج الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) بما معنى أن كل حقوق كل طائفة في الدولة (السياسية، الخدماتية، الوظيفية) يرعاها الزعيم الفلاني للطائفة.

2) هل المطلوب دوليّا الحفاظ على الاستقرار الدّاخلي اللبناني؟

بعد أن يئست أمريكا من استهداف المقاومة عسكريًا، تحاول استهدافها اليوم من بوابة الاستقرار الدّاخلي خصوصا بعدما انكشف الاقتصاد اللبناني أمام هيكل نظام المحاصصة الطائفي الفاسد.

ألف) فشل في استهداف المقاومة عسكريا

كان الاستهداف السّابق للاستقرار اللبناني يتم من قبل العدو الاسرائيلي بالتّصويب على سلاح المقاومة وهذا ما نراه في حقبات الحروب التي شنّها هذا العدو في أعوام 1993، 1996، 2006 إضافة الى خروقاته اليومية للسيادة اللبنانية عبر البحر والجو. هذا الاستهداف الذي لا يزال حتى اليوم بمفهومه العسكري والسيادي كان نصيبه الفشل والهزيمة، وبشكل أو بآخر تقبل اللبنانيون بأغلبهم ضرورة مقاومة هذا العدو بكل الوسائل المتاحة وهذا ما كرّسته الحكومات اللبنانية طوال هذه الأعوام على الرّغم من المحاولات المتكررة للاستهداف الداخلي والاقليمي للمقاومة إن كان عبر قرار مجلس الأمن رقم 1559 أو عبر قرار استهداف سلاح الإشارة والاتصالات في المقاومة في أيار من عام 2008.

ب) أزمة تكريس الطائفية السياسية، الاقتصادية والخدماتية

          السياسية

اتفاق الطائف اللبناني رعا المحاصصة السياسية والخدماتية والوظيفية للطوائف لكنه أشار الى ضرورة إلغاء هذه المحاصصة والتقدّم نحو دولة مدنية. في الحقيقة تم تطبيق الشّق الأول وهو رعاية المحاصصة السياسية والخدماتية والوظيفية بينما يتم حتّى اليوم تجاهل تحويل النظام اللبناني الى نظام الدولة المدنية وذلك لعدّة أسباب: الأول استبعاد قسم كبير من المسيحيين عن التمثيل في الدّولة حتى العام 2005 وهُنا نقصد التيار الوطني الحر وبالتالي عند عودة الجنرال ميشال عون الى لبنان في عام 2005 ودخوله الى ادارات الدّولة شعر البعض بأن هذا التّيار يأخذ حصّته في الدولة، وبعيدا عن النّقاش حول أحقيّة هذا الطّرح من عدمه وما إذا كان التيار الوطني الحرّ أخذ حصّة أكبر من حجمه في الدّولة كان هُناك انعكاس سلبي لهذا الأمر عند تشكيل أي حكومة فبينما كان يطالب هذا التيار بتمثيله وفقا لتمثيله المسيحي الشّعبي الذي أدخل كتلة نيابية وازنة الى البرلمان اللبناني، كان هناك من يعتبر أن التيار يأخذ من حصّته الوزارية أو حصصه في وظائف الدولة أو... حتّى تحولت الشعارات الإصلاحية التي كان يحملها التيار العوني الى مجرّد حبر على ورق تحت ضغط المناكفات على التمثيل. السبب الثاني وهو التّغيير الديمغرافي، فبينما رعا اتفاق الطائف المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، ازدادت أعداد المسلمين إلى ضعفين بواقع ان ثلثي اللبنانيين اليوم هم مسلمين بينما يمثل المسيحيّون ثلث اللبنانيين؛ وبهذا الواقع، خلق هُناك أزمة خصوصا على صعيد الوظائف الحكومية تزداد أعداد المسلمين الساعين للحصول على وظائف حكومية أو في مختلف الاستثمارات كان على الحكومات اللبنانية المتعاقبة الحفاظ على التوازنات الطائفية بدل اعتماد الكفاءات التي طالب بها الطائف، وبالتالي زادت أعداد العاطلين عن العمل بحجة التوازنات.

          الاقتصادية

تكريس المحاصصة لم يقتصر على التمثيل في الحكومة أو البرلمان أو وظائف الدولة بل امتد الى مختلف القطاعات الاقتصادية اللبنانية. فقد كرّس زعماء الطوائف في لبنان على مسألة اقتسام الاستثمارات في الاقتصاد لصالح طوائفهم، وفي الحقيقة كان هذا الأمر منبعاً للفساد فبينما كان يحتفظ الزعماء بالثروة الأكبر العائدة من هذه الاستثمارات الاقتصادية كانوا يوزعون فتات هذه الثروة الى محازبيهم وأبناء طائفتهم. وهنا لا بدّ من الاشارة الى أنّه في وقت كانت فيه السيولة المالية تتدفق بغزارة اتجاه لبنان حتّى العام 2010 راكم الزعماء (الا ما رحم ربّي) ثروات كبيرة وكان اللبنانييون غافلين عن كون أن هدر ثرواتهم لأن قدرتهم الشرائية لم تكن متأثرة بهذا الواقع الفاسد للمحاصصة الاقتصادية... لكن عندما جفّت هذه الاستثمارات بسبب الحروب الاقليمية والاوضاع الاقتصادية الصّعبة جرّاء موجات النزوح الى لبنان إضافة الى تزايد فساد المسؤولين اللبنانيين وجشعهم في الحصول على ما تبقى من استثمارات، عندئذٍ أحسّ اللبناني بجوعه عندما وجد نفسه على قارعة الطريق بلا مأوى.

          الخدماتية

التنمية في لبنان لا تعتمد على مبدأ الشمولية والعدالة بين كل المواطنين، إنما تخضع أيضا للمحاصصة. على سبيل المثال فإن كل طائفة تأخذ نصيبا متساويا من الخدمات الصحية، الصرف الصّحي، ... وغيرها، وهذه الخدمات يقدمها الزعيم الطائفي لأبناء طائفته ولأسباب ديمغرافية أو تمركز الخدمات في منطقة دون أخرى حتى داخل الطائفة الواحدة تظهر عندها المناطق المحرومة والمستضعفة. لكن اليوم وبسبب الفساد الكبير وشح الميزانية تقلصت الميزانيات المقدمة في السّابق مع نمو في الطلب على هذه الخدمات وهذا ما دفع أبناء الطوائف في لبنان لسبّ زعماء طوائفهم قبل زعماء الطوائف الأخرى.

ج) صناعة الثورات

الأزمات الاقتصادية في لبنان ليست بريئة وربّما جاء اليوم الوقت لتفجيرها فقط، ضمن ما يُعرف باسم الفوضى الخلّاقة أو صناعة الثّورات. فما هو هذا المخطط؟ ولماذا يتم تنفيذه؟

لا شكّ أن استهداف لبنان وإزالة الحالة المقاومة فيه هو من رغبات راعي البقر الأمريكي وذيله الصّهيوني في المنطقة، لذا فمجرّد وجود المقاومة في لبنان يعدّ سببا كافيا لاستهدافه من قبل العدو وعلى كافّة الأصعدة. بعد فشل الحروب العسكريّة ضمن مخطط الشرق الأوسط الكبير التي شُنّت على لبنان في السّابق، جاء دور الخطة البديلة له أي ضرب الاستقرار اللبناني عبر الاقتصاد هذه المرّة ضمن ما يُعرف اصطلاحًا "صناعة الثورات". ولكن ما هي صناعة الثورات؟

صناعة الثورات هي خطة بديلة اعتمدتها الولايات المتحدة سابقا وحاليًّا لإسقاط الأنظمة أو حتّى الدّول التي لا تدور في محورها لكن تشكّل خطرًا على مشروعها. في السّابق اعتمدت الولايات المتحدة هذا المخطط لإسقاط القومية المصرية (وفي نطاقها الأوسع دول عدم الانحياز) مرورًا بالاتحاد السوفيتي وما تبعها من تفرّدها بالقطبية الدولية وصولًا الى ركوب موجة اسقاط الأنظمة العربية في مصر، ليبيا، اليمن، تونس ومحاولة إسقاط الدولة في فنزويلا، إيران، سوريا، العراق وصولًا الى لبنان. وتعتمد هذه الثورات على عدّة نقاط أساسية:

          فرض العقوبات

كوسيلة أولى تقوم الولايات المتحدة بفرض العقوبات على شخصيّات الدّولة أو الأطراف المقاومة وذلك بهدف قطع أي تمويل مادي لحركتهم وبالتالي خنق الدولة أو حركة المقاومة، وهو ما أقدمت عليه الولايات المتحدة ضد مصر عبد الناصر، الاتحاد السوفيتي، كوبا، كوريا الشمالية، فنزويلا، ليبيا، إيران، سوريا وحركات المقاومة في لبنان وسوريا.

          ضرب اقتصاد الدولة

في ثاني خطوات صناعة الثورات تأتي وسيلة ضرب اقتصاد الدولة حسب نوع اقتصاد الدولة بما يؤدي الى تعرّض بنيته للخطر او الانهيار، وبالتالي قيام الشّعب بحركة احتجاجية ضد أي نوع من الفساد قد يكشفه هيكل الاقتصاد المعرّض للخطر. كضرب القطاع النفطي في فنزويلا الأمر الذي أدى لانهيار الاقتصاد الفنزويلي بسبب اعتماده على النفط، وقطاع الخدمات في لبنان كما سنُبيّن لاحقا.

          وضع سياسة مُعارضة طويلة الأمد ضد الحركات الخطيرة على الولايات المتحدة

تعتمد الولايات المتحدة في هذا السّياق على حركة طويلة الأمد لبعض الشخصيات المعارضة لحركات المقاومة لنهجها، بحيث تقوم هذه الشّخصيات بتبين أن كل ما تتعرّض له الدول بسبب وجود هذه الحركة على مدى سنوات طويلة، كدعم الجناح السياسي المعارض للمقاومة في لبنان على مدى أكثر من 40 سنة والتي لطالما حملت المقاومة مسؤولية تراجع الأمن الاقتصادي في البلاد، وهذا ما خلق خلفية غير بريئة أمام قسم من الشعب اللبناني الذي لا يعتبر بيئة حاضنة للمقاومة.

          ضرب البيئة الحاضنة لحركات المقاومة

أي ضرب الدائرة المصغرة لحركات المقاومة المتمثّلة في مجتمعاتها الضّيقة وصولا الى العوائل لجعل الولد يقف بوجه أبيه او الأخ بوجه أخيه، من خلال ضرب المصارف التجارية التي تستقبل إيداعات التّجار الشيعة والمؤسسات التي تتبع بشكل أو بآخر للموسسات "الشيعية" التي توطّن حسابات موظفيها في هذه المصارف كمصرف جمال ترست بنك المستهدف مؤخرا. وبالتالي تحريض هؤلاء الموظفين المناصرين على حركة المقاومة وعناصرها حتى داخل البيت الذي قد يضم عنصرا في المقاومة أما أخيه أو أبيه قد يكون موظفا في هذه المؤسسات المستهدفة.

          انتظار لحظة الصّفر لقيام الاحتجاجات

لا تتحكّم الولايات المتحدة عادة بلحظات الصّفر لقيام الاحتجاجات، لكنها تستطيع في التسريع بها من خلال مزيد من إجراءات الحظر على الشّعوب وتشديد استهداف اقتصاد الدّول، حتّى تنطلق أي حالة في الشوارع قد تجذب الأنظار وتجمع الحشود في مواجهة الدولة أو عبر أي قرار خاطئ تتخذه الحكومات ويستهدف ما تبقى من معيشة المواطن. كما حدث في حادثة إحراق المواطن التونسي لنفسه، او حركة درعا الاحتجاجية، وصولا الى الحركات الاحتجاجية في العراق ولبنان بسبب سياسات الحكومات الضرائبية على الشعب الجائع.

          ركوب موجة الاحتجاجات الصّادقة

بعد مضي فترة من الزمن على أي احتجاجات كبيرة وصادقة، تبدأ الولايات المتحدة بواسطة سفاراتها أو حتى ممثليها أو حتّى مؤيدي توجهاتها بدعم جزء صغير من هذا التّحرك لتوفير المقومات اللوجيستية لإطالة أمد هذه التحركات الاحتجاجية، وبالتالي جمع عدد أكبر من المؤيدين حولهم وبالتالي تكبر حركة الاحتجاج مع زيادة الدعم الذي قد يصل لاحقا الى دعم مالي، كحركة الخوذة البيضاء في سوريا، وحركة تزويد الحركة الاحتجاجية بالمواد الغذائية وحتى الوجبات الساخنة كما حدث في سوريا ويحدث هذه الأيام في لبنان وفنزويلا.

          اطلاق الشعارات المستفزة مع تغطية إعلامية تحريضية

بينما تكون كمية الاحتقان كبيرة على الدولة أو حركات المقاومة بسبب الوضع الاقتصادي السيء، تظهر فئات لتستهدف الدولة أو رموز المقاومة. في حين لا تعترض غالبية المظاهرات على الشعارات بسبب احتقانها الشديد على وضعها المعيشي السّيء تتحول التغطية الاعلامية عن حُسن نية بغرض نقل الأحداث المباشرة والتعاطف مع المحتجين أو سوء نية بسبب تمويل مادي لجهات استخبارية، الى تعمية عن مطالب الشّعب وتحويل الحراك والرأي العام المحلّي والدّولي الى حراك موجّه ضد الدّولة أو حركات المقاومة، كما حصل في سوريا سابقا كشتم رموز الدولة والمطالبة بمنطقة حظر طيران فوق الأجواء السورية وتحويل هذه المطالب كمطالب أساسية بعيدا عن المطالب الأساسية المعيشية التي كان يحملها المحتجون، وكما يجري الآن في لبنان عبر شتم رموز الدولة وحركة المقاومة (الذين يملكان شارعا كبيرا)، وقيام الاعلام المأجور بتسليط الضوء على هذه الشتائم والمطالبات بتدويل الأزمة وتناسي المطالبات المعيشية كذلك تجاهل حقيقة وجود شارع كبير يرفض هذه المؤامرة.

          إلهاء المحتجين بالمظاهر الحضارية والخادشة للحياء والجنسية

خلال الاحتجاجات تعمد الأطراف التي تؤيّد ما يُقال بأنه "فكر أمريكي منفتح" الى القيام باستقدام منظمي حفلات وراقصات وبائعات هوى وخدع الشباب الفقير الذي لا يستطيع الزواج وانشاء حياة خاصة بمستقبل يحرّرهم من العائلة وإيهامهم باستطاعتهم الوصول الى الجنس الآخر بسهولة وبالتالي حرف الانظار بطريقة أو باخرى عن المطالبات المحقّة للشعب الذي نزل الى الساحات بسببها بداية الأمر. وللأسف فإن هؤلاء الشباب سيطمعون في النزول الى الساحات مرة أخرى من أجل المشاركة في هذه التجمعات الغير أخلاقية. وهذا ما حدث عند سقوط الاتحاد السوفيتي ويحدث اليوم في لبنان.

          رفض أي مقترحات لحل الأزمة

إن أي مقترحات بحل الأزمة من قبل الدولة ستواجه بالرفض بحجة أن الشّعب هو الشّرعية وقد أسقطها عن الدّولة (وتقوم هذه الجهات بالتناسي أن معظم الشعب نزل الى الشوارع من أجل تحقيق مطالب اجتماعية واقتصادية وتختصر الشرعية في رأيها)، وبالتالي تحضير الأجواء الى مرحلة الدعم المالي المباشر. هذا الامر حصل سابقا في سوريا مع تعنّت المحتجين أو من يحركهم برفض الحوار، والذي نأمل ألّا يكون الآن يحدث في لبنان.

          تدويل الأزمة ومطالبات بالتدخل الأجنبي

عند اتساع رقعة الاحتجاجات ضمن تنسيقيات احتجاج لنشر الفوضى الخلاقة (اقامة امارات، فرض خوّات، أعمال ميليشوية، تطبيق أحكام عرفية في منطقة التظاهرات خارج إطار قانون الدّولة) يظهر بما يُعرف بحكم الميليشيات حيث يُمنع تطبيق قوانين الدولة داخل الامارات والكنتونات الخاضعة للاحتجاجات ويجري قمع كل من يحاول الاعتراض على قوة الأمر الواقع. بالتالي إن أي اعتراض من قبل الناس المعترضين على الأحكام العرفية المحلية أو المحاولة لإنهاء هذه الحالات الشائبة من قبل أجهزة الدولة قد يؤدي الى سقوط الدماء. وبالتالي ستظهر مناشدات بالتدخل الدولي وتدويل الأزمة، مثلما حدث في بدايات الأزمة السورية في حماة والمطالبات بحماية السفارة الأمريكية للمظاهرات في حماة.

هذه المرحلة تأتي في وقت يسعى فيه المحتجون الذي سيُطلق عليهم اسم ثوار الفوضى الخلاقة لضرب الدولة وأجهزتها وحركات المقاومة. هؤلاء الفئات التي بغالبية أناسها هم من الفقراء والذين نزلوا أساسا لتحقيق مطالبهم الاجتماعية سيقبلون أي مساعدة مالية وعسكرية تقوم بتقديمها الدول المتآمرة بحجة سعيهم للوصول الى السلطة وإقامة الحكومة التي يرغبونها وفقا لإرادة "الشعب"، وبالتالي ستنشب حرب أهلية بين دولة تريد الحفاظ على كيانها ومؤسسات الدولة وبين ميليشيات تسعى للوصول الى الحكم. وفي هذه المرحلة تخرج مناطق عن سيطرة الدولة ويظهر بما يُعرف بأعراف الشرعية الشعبية والمحاكم الشعبية.

          تدمير الدولة وإنهاء خطرها على الولايات المتحدة وعلى الكيان الصّهيوني

بسبب زيادة الدعم المالي للميليشيات من قبل الحكومات المتآمرة تُنهك الدّولة. وبالتالي فهي وإن لم تسقط فهي لن تشكّل خطرًا على الكيان الصهيوني والسياسات الأمريكية والصّهيونية بعد الآن. أما مصير الميليشيات فسيكون إما تمكنها من اعتلاء الحكم وبالتالي إدخال الدولة في المحور الامريكي أو فشلها وخضوعها لمصالحات أو خروج من البلاد. هذا الأمر وإن حدث في سوريا، لكن الدولة السورية تستعيد عافيتها وموقعها الرائد في مواجهة الصهيونية.

3) لبنان الى أين؟ وبأي مسار يتّجه؟

الف) المظلة الدولية ربّما رفعت عن لبنان عبر السماح بضرب اقتصاده الخدماتي

بعد فشل الاستهداف العسكري للمقاومة وُضع السيناريو الثاني باستهداف الاقتصاد اللبناني الضعيف بنيويًّا قيد التنفيذ. ولا تبدو المظلة الدولية التي حمت استقرار لبنان سابقا متوفّرة الآن. ويمكن رؤية ذلك على أكثر من صعيد: ضرب السياحة اللبنانية بشكل تدريجي منذ بداية الأحداث السورية حيث قامت بعض الجماعات الارهابية باحتلال قسم من الاراضي اللبنانية وتنفيذ عمليات تفجير في أكثر من منطقة لبنانية وما تبعها من دعوة الدول الأجنبية بدعوة مواطنيها بعدم السفر الى لبنان، وقد اقتصرت السياحة في لبنان منذ ذلك الحين على اللبنانيين المغتربين. بسبب الأوضاع الإقليمية والحرب في سوريا خفّت الحركة الاقتصادية في لبنان كحركة الترانزيت ونقل البضائع عبر سوريا كما خفت الاستثمارات في لبنان وحتى تحويلات المغتربين اللبنانيين للأموال من العملة الصعبة الى لبنان بسبب ضيق الأوضاع الاقتصادية التي يعانون منها في دول الخليج الفارسي العربية ودول أمريكا اللاتينية وأفريقيا أو العقوبات الامريكية التي فُرضت عليهم.

ب) صدفة غبية تجمع ضرائب غبية مع تصريحات استراتيجية للرئيس اللبناني ميشال عون

تراجع المؤشرات الاقتصادية في لبنان منذ العام 2010 إضافة إلى تفشي الفساد في منظومة المحاصصة اللبنانية أدت الى انكشاف الاقتصاد اللبناني الرّيعي أمام الانهيار وبالتالي ضرب الجناح الثاني للاستقرار الداخلي في لبنان. وبصدفة غبية ربما يقترح وزير الاتصالات اللبناني محمد شقير بفرض رسوم على مكالمات تطبيقات الهواتف الذكية (واتساب، تلغرام،...) بعد عدّة أيام فقط من تصريح وزير الخارجية اللبنانية جبران باسيل بأنه ذاهب الى دمشق لمناقشة عودة اللاجئين السوريين الى بلادهم، كما كان قد سبقه الرئيس اللبناني ميشال عون بإطلاق مواقف وطنية في ضرورة مقاومة العدو الاسرائيلي ومواجهة تهديداته ورفض التوطين وضرورة اعادة اللاجئين السوريين الى بلادهم، كذلك مواقفه الداعية الى ضرورة الحفاظ على الحقوق اللبنانية في البر والبحر (وخاصة الغاز في البحر) في أي ترسيم بين لبنان والكيان الصهيوني.

ج) التقييم السّريع للسيد حسن نصر الله للواقع على الأرض

سريعا، وبعد أقل من 10 أيام على بدء الحركات الاحتجاجية تنبّه أمين عام حزب الله السّيد حسن نصر الله الى هذا الواقع، وأطلق مواقف بقمّة الذكاء والنباهة لتجنّب وضعا يشبه الى ما آلت إليه الأمور في سوريا سابقا. ولهذا السبب قام بتبنّي المطالب الاحتجاجية للشعب اللبناني كما دعا الى إعطاء الفرصة لإنجاح الورقة الاقتصادية التي قدمتها الحكومة اللبنانية تاركًا الباب مفتوحا أمام أي تغيير حكومي أو حل عقلاني وبديل. الأمر الآخر الذي قام به هو دعوة أنصار المقاومة الى ترك ساحات الاحتجاج داعيا باقي المحتجين الى الحوار او تقديم البديل العقلاني القابل للتنفيذ وذلك لنزع أي محاولات لتسيسها وجعلها مطية لاستهداف المقاومة. مع العلم أن المقاومة متمثلة بأمينها العام السيد حسن نصر الله ونوابها ووزرائها لم يدخلوا في منظومة الفساد اللبنانية، فهم كانوا حتّى العام 2017 داخل هذا النظام اللبناني من أجل حماية ركيزة الاستقرار الاولى للبنان وهي المقاومة، أما منذ العام 2017 وحتى اليوم فقد بذل حزب الله جهودا كبيرة في محاربة الفساد وتقديم ملفاته الى القضاء، لكن وبسبب دعم كل طائفة لمسؤول ينتمي إليها بقيت هذه الملفات مجمّدة حتّى الحراك الشّعبي الذي بدأ منذ 10 أيام واجبر القضاء والمسؤولين في الدولة اللبنانية بقبول تحريك هذه الملفات.

د) لبنان أمام مفترق طرق

وهنا أصبح لبنان أمام مفترق طريق حقيقي إمّا معالجة الامور الاقتصادية للبلاد ضمن أي إطار فعال وقابل للتنفيذ لا يدخل البلد في فراغ دستوري ويرتكز على عدم فرض ضرائب إضافية على الشعب، إجبار المصارف التي يملكها بأغلبيتها زعماء الطبقة السياسية الفاسدة على تسديد عجز الخزينة، محاسبة المسؤولين الفاسدين وإعادة المال المنهوب لخزينة الدولة، هذا الحل قد يفضي لاحقا الى دولة مدنية خارج الإطار الطائفي كما نص اتفاق الطائف.

أما المفترق الضبابي الآخر يبدو قاتمًا، فبعد دعوة السيد حسن نصر الله الى اخلاء الساحات من قبل جمهور المقاومة انكشف في الساحات مناصرو أحزاب تدور حولهم شكوكا كبيرة حول علاقتهم بمخطط لإسقاط لبنان وإدخاله في حرب أهلية لإضعاف المقاومة. وشعاراتهم واضحة وإن استتروا حاليا خلف العلم اللبناني للتمويه والظهور بصفة الثائر على الظلم، فهم يطالبون بنزع سلاح المقاومة والتدويل وإخضاع لبنان للفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة. الاعلام حاليا يبرر بأن هذه المواقف فردية ولا تتصل الى الحراك بأي صلة، لكن ما على اللبنانيين التنبه إليه هو أن أمريكا ليست بحاجة الى موافقة عموم الحراك من أجل التحرك لخدمة أجندتها، إنما يكفي بدسّ هتافات تحريضية من هنا أو هناك من قبل عناصر غبية أو مخدوعة لكي تشتعل نار الفتنة.

/انتهي/

الأكثر قراءة الأخبار الشرق الأوسط
أهم الأخبار الشرق الأوسط
عناوين مختارة