الخبير السياسي سعدالله زارعي يشرح في حوار صحفي..

كيف قصم ظهر الإرهاب في حلب وما هو دور اللواء سليماني؟

رمز الخبر: 1263244 الفئة: حوارات و المقالات
سعدالله زارعی

علّق الخبير في الشؤون الدولية سعدالله زارعي في حوار صحفي على عملية تحرير مدينة حلب السورية قال فيه "ان الجيش السوري كان يرغب بشكل اكبر في شن عمليات في الرقة ودير الزور النفطيتين، كما ان الروس كانوا يرغبون في قتال داعش اكثر من قتال جبهة النصرة لكن اللواء قاسم سليماني كان يعتقد بأن ظهر الإرهابيين بما فيهم داعش والنصرة سيقصم في حلب".

فقد اجرى موقع "الوقت" حوارا مع الخبير في الشؤون الدولية سعدالله زارعي حول تفاصيل عملية دحر الارهابيين من مدينة حلب السورية اوضح فيها زارعي "ان تحرير مدينة حلب السورية تم على 3 مراحل هي اولا مرحلة العمليات المتوسطة غير المتواصلة وثانيا مرحلة العمليات الكبيرة غير المتواصلة وثالثا مرحلة العمليات المتوسطة المتواصلة وان ما أدى الى تحرير حلب هو النوع الثالث من هذه العمليات".

وقد تطرق زارعي في هذا الحوار الى قضايا أخرى تتعلق بالعمليات الجارية منذ شهر في حلب وتأثيراتها الداخلية والخارجية، وفيما يلي نص هذا الحوار:

 إشرحوا لنا سير العمليات العسكرية والأمنية لتحرير مدينة حلب بالإضافة الى التكتيكات العسكرية المستخدمة.

زارعي: خلال السنوات الـ 3 الماضية وضعت حلب في مقدمة أولويات محور المقاومة وقامت الحكومة السورية ومحور المقاومة بتنفيذ خطط لتحرير هذه المدينة واذا أردنا تقسيم هذه الفترة الى مراحل فيمكننا الإشارة الى 3 مراحل. 

المرحلة الأولى هي مرحلة العمليات الكبيرة لمحور المقاومة الذي يضم الجيش السوري وحزب الله وقوات الدفاع الوطني وبعض القوات الأخرى التي أتت من مناطق أخرى لمساعدة محور المقاومة وان نموذج عمليات هذه المرحلة هي العمليات التي جرت في القصير ويبرود، وكانت لهذه المرحلة من العمليات انجازات نسبية أهمها منع تقدم الارهابيين في مناطق أخرى وسد الطريق أما جبهة النصرة وجماعات مماثلة.   

اما المرحلة الثانية فشهدت نظرية إدخال عدد أكبر من القوات الى العمليات بغية إنهاء معركة حلب وتحرير المدينة والقضاء على الإرهابيين وهي نظرية تستخدم في مواجهة الجيوش التقليدية وقد جرت هذه العمليات بعد تقدم الجماعات المسلحة في ادلب ومناطق أخرى مثل السخنة وتدمر، وكان الروس هم دعاة هذا النمط من العمليات وقد وجهت هذه العمليات ضربات الى جبهة النصرة وجماعات أخرى مثل احرار الشام وجيش الاسلام لكن لم تحقق هذه العمليات النتيجة المرجوة.

وقد بدأت المرحلة الثالثة منذ قرابة سنة وهي إتبعت استراتيجية استخدام عدد أقل من القوات البشرية والتركيز على نوعية هذه القوات، ومن ناحية التكتيكات العسكرية ايضا حلت العمليات الأقل حجما والمترابطة محل العمليات الكبيرة غير المتواصلة وفي الحقيقة تم استخلاص الدروس من المراحل السابقة وتقرر ان تكون العمليات متواصلة ولا تتوقف في أي يوم وهذا يتطلب تزويد الجبهات بالقوات بشكل مستمر لمنع تغلب التعب على المقاتلين ولذلك تم استبدال القوات باستمرار واستخدام عناصر تتمتع بقدرات قتالية وتقنية أفضل.  

وفي الحقيقة اكتسبت قوات محور المقاومة التجربة الكافية لقتال الإرهابيين خلال السنوات الـ 5 الماضية.

لماذا ركزت قوات المقاومة على تحرير حلب بالكامل في الوقت الراهن وجعلته أولويتها الرئيسية؟

زارعي: ان محور المقاومة اعتبر تحرير حلب من يد الإرهابيين رمزا لتحرير سوريا وركز على عملية تحرير هذه المدينة واختار طريقين او ثلاثة طرق لتنفيذ ذلك أولها العمليات العسكرية، وذلك بعد ان كان الجيش السوري يرغب بشكل اكبر في شن عمليات في الرقة ودير الزور النفطيتين، كما ان الروس كانوا يرغبون في قتال داعش اكثر من قتال جبهة النصرة لأن النصرة تضم قوات محلية وان خشية الروس من داعش اكبر من خشيتهم من النصرة لكن اللواء قاسم سليماني كان يعتقد بأن ظهر الإرهابيين بما فيهم داعش والنصرة سيقصم في حلب.  

اما الخطوة الثانية لمحور المقاومة للتركيز على حلب فتمثلت في ايجاد تنسيق بين الخطوات والفعاليات السياسية الجارية بشأن سوريا وتركيز هذه الخطوات على حلب وفي هذا السياق بدأت النشاطات الروسية وتم عقد مؤتمرات لتثبيت الحكومة السورية ثم تثبيت صفة الإرهاب على جماعات مثل النصرة وغيرها، وقد أتت هذه النشاطات والفعاليات أكلها رغم تكلفتها العالية مثل احتلال خان طومان وتل العيس من قبل الإرهابيين فهذا كان ثمن التركيز على حلب لكن ثمار التركيز السياسي على حلب كانت أكثر من التكاليف. 

وفي المرحلة الثالثة كان يجب ان تكون عملية تحرير حلب مباغتة ترد الإعتبار للجهة المهاجمة وتسلبه من الارهابيين وعلى هذا الأساس تم التخطيط لعمليات نصر 2 التي أحدثت خرقا في عرض جبهة حلب وشتَّتت الارهابيين ومن ثم استمرت العمليات خلال الشهر المنصرم وأحدثت خرقا طوليا في حلب وتم محاصرة المنطقة الشرقية والاستيلاء عليها وتم القضاء على الارهابيين بدرجة كبيرة.

ان الاستراتيجية هنا كانت اعتبار حلب مفتاحا لتحرير سوريا ومن المؤكد انه بعد انتهاء عمليات حلب فإن داعش والنصرة سوف لن يحلموا بالانتصار ولن يكون هناك في العالم من ينادي بإسقاط حكومة بشار الأسد، ان تحرير حلب سيحبط معنويات الجماعات الارهابية بشدة وان باقي مراحل تحرير سوريا ستجري بسرعة أكبر مع العلم بأن الاحتفاظ بحلب بعد تحريرها له تكلفة أمنية وعسكرية واقتصادية وان حفظ هذه المدينة سيكون أمرا هاما وحيويا جدا.  

كيف تقيِّمون أهمية تحرير حلب؟

زارعي: ان الهدف الأكبر للارهابيين وحماتهم كان مدينة حلب ومحافظة حلب فالارهابيين ركزوا عملياتهم في حلب وحماة الارهابيين مثل تركيا وقطر والامارات وامريكا ايضا ركزوا على حلب ولذلك نجد ان في معركة حلب يقف المحوران في مواجهة بعضهما البعض ومن ينتصر في حلب لم ينتصر في حلب فقط بل يسجل الانتصار في ساحة المواجهة العسكرية والامنية في المنطقة برمتها ولذلك صدرت المواقف والتحليلات الكثيرة فأنجيلا ميركل تتحدث عن كارثة والبيت الأبيض يسمي القضية كارثة انسانية وفي اجتماع مجلس الامن يتحدث دميستورا عن إبادة مرتقبة في حلب واردوغان يتخطى القوانين والقواعد ويعلن بانه دخل سوريا لاسقاط الاسد كما تصرخ السعودية "وا إسلاماه" حينما يواجه الجيش السوري الارهابيين وهذا كله يدل على أن معركة حلب ليست فقط تحرير مدينة بل هي معركة جيوسياسية بين محور المقاومة والمحور الامريكي.     

ان الدوافع الوطنية والطائفية في معركة حلب هي أقل من مثيلاتها في باقي المناطق فالدافع الوطني في منطقة ادلب قوي بسبب قضية لواء اسكندرون وان الدوافع الطائفية قوية في ريف دمشق كما ان العمليات في حمص والقنيطرة تحظى بأهمية وطنية لحزب الله نظرا لمحاذاة هاتين المنطقتين للبنان لكن الامر ليس كذلك في حلب التي تعتبر محافظة سنية ومحاذية لتركيا وبعيدة عن المشادات الوطنية والمذهبية، واضافة الى ذلك تمتد حدود حلب مع تركيا لـ 500 كيلومتر ولتركيا دور بارز في تأمين الحاجات اللوجستية للمسلحين وهذا يزيد من صعوبة معركة حلب. ان جميع الجماعات الارهابية في سوريا يتم دعمهم عبر حلب وهناك طريق سريع (الكاستيلو) يربط سوريا بتركيا عبر حلب بشكل مباشر.   

كان من المقرر ان تكون حلب مصدر التحول والتغيير في سوريا حسب النمط التركي السعودي الامريكي، وقد خطط هؤلاء لايجاد منطقة حظر طيران في حلب وتشكيل حكومة هناك وقيام دولة مزيفة ومصطنعة غربية – عربية في حلب لتكون اول منطقة "محررة" في سوريا لكن عمليات مجاهدي محور المقاومة هناك أفشلت كل هذه المخططات.       

وهنا يتوضح لنا كم كانت استراتيجية تركيز العمليات على حلب محسوبة وحكيمة.

 ما هو تحليلكم حيال تبعات تحرير حلب على الأصعدة الداخلية والاقليمية والدولية؟

زارعي: على الصعيد الداخلي يعتبر تحرير حلب بشارة كبيرة للشعب السوري من اجل التغلب على الارهابيين في باقي المناطق ولذلك ستزداد رغبة الشعب في مساعدة الحكومة لتحرير ادلب ودرعا ودير الزور والقنيطرة وفي المقابل ستضعف قدرة الارهابيين على اجتذاب عناصر جديدة الى صفوفها، واضافة الى ذلك سيتراجع الدعم الخارجي للارهابيين لأن احتمال انتصارهم قد تضاءل. 

وعلى الصعيد الاقليمي سيضع تحرير حلب تركيا اما وضع صعب لأن الجيش السوري الذي استطاع تحرير حلب سيحرر باقي المناطق التي تحتلها تركيا التي تصبح مجبرة على تحمل مجازفة البقاء في هذه المناطق وانتظار الأحداث الأخرى أو تقبل بالخروج من الاراضي السورية عبر التفاهم.

انني اعتقد بان اردوغان سيبقي قواته في سوريا طالما يستطيع ذلك لكن مع تعديل اهدافه الاولية لأن الهدف الأولي لاردوغان كان الطمع في حلب. ان تحرير حلب سيقضي على النزعة التوسعية التركية ولذلك فإن اردوغان مجبر على تغيير اهدافه الاولية والقول بان هدفه هو المشاركة في صياغة الشكل السياسي للحكومة السورية المقبلة.    

اما روسيا فإنها الشريكة الهامة في تحرير حلب وستستفيد من ذلك لتعزيز مكانتها الدولية. ان بوتين كان قد قال لترامب مؤخرا ان نظام القطب الواحد قد انتهى وان النظام الدولي بات متعدد الاقطاب وفي هذا اشارة الى عودة روسيا الى الوضع السابق ويجب القول ان مكانة روسيا ستتحسن بشكل كبير اقليميا ودوليا بعد تحرير حلب.  

وهنا يجب الانتباه ان ملف سوريا ليس ملفا روسيا بل ان هذا الملف وهذه الانتصارات هي ملك الشعب السوري الذي سيستفيد من نتائج هذه الانتصارات قبل الآخرين، ان هذا الانتصار مدين لمحور المقاومة الذي يشمل ايران وحزب الله ولواء فاطميون وزينبيون والجماعات المشابهة التي حضرت الى سوريا في الظروف الصعبة حينما كان احتمال النجاح ضعيفا ولذلك فإن حصة روسيا في هذا الانتصار تأتي في المرتبة الثالثة بعد الشعب السوري ومحور المقاومة وهي أقل من غيرها. 

ويجب الانتباه ان روسيا دخلت الملف الامني السوري بعدما أصبح بقاء الأسد حتميا لكن ايران وحلفائها الاقليميين دخلوا ساحة العمليات في سوريا قبل ذلك بكثير وحينما كان الجميع يتحدثون عن سقوط الأسد، ورغم ذلك لا نشك ان دور روسيا في سوريا هو دور مهم.

بعد هزيمة الارهابيين واستقرار الامور لصالح الحكومة السورية هناك من يحاول إضفاء صبغة روسية على سوريا لكن هذه الصبغة مزيفة وان المستقبل هو ملك الشعب السوري ومن ثم جبهة المقاومة التي ستثمّن جهود روسيا بالتأكيد.

ومع تحرير حلب تفقد السياسات الاقليمية للسعودية والامارات وقطر اعتبارها لأن هذه البلدان تحملت تكاليف كبيرة ومن دون نتيجة.

يقال ان الملك السعودي السابق صرف 200 مليار دولار لتغيير النظام السوري وان قطر والامارات ايضا صرفتا اموالا طائلة والان يجب عليهم ان يتقبلوا هزيمة المحور الذي دعموه. 

ان هذه البلدان الثلاثة تلقت هزيمة اخلاقية ايضا وهي الأهم ولها تبعات عميقة وطويلة المدى فالهزيمة الاخلاقية لن تنسى حتى مع مضي قرون، ان احدا لن ينسى بعد مضي ألفي عام قيام الامبراطور الروماني نيرون بحرق روما رغم انه اضطر للانتحار فيما بعد، كما ان الجيش النازي لازال تحت ضغط وتبعات اخلاقية بسبب هجومه على الشعوب الاوروبية، ان السؤال الذي يبقى أبد الدهر هو كيف يمكن لدولة ترفع شعار العروبة ان تهاجم شعبا عربيا آخر وكيف يمكن لدولة غنية ان تهاجم دولة فقيرة؟ كيف تقوم السعودية بالتحالف مع دولة غير مسلمة للهجوم على دولة مسلمة اخرى؟ ان هذه هزيمة اخلاقية للسعودية وقطر والامارات والجامعة العربية ومجلس التعاون والمنظمات المشابهة. ان السودان لم يطول اقترابه من السعودية سوى سنة واحدة في حين كان السودان حليفا لايران طيلة 30 عاما وهذه تبعة من تبعات الهزيمة الاخلاقية للسعودية، ان الرياض ستلقى مقاومة اكبر من العراقيين وستزداد التكلفة التي يجب ان تدفعها السعودية في المنطقة.

نظرا الى التطورات الاخيرة في امريكا وسياسات ترامب كيف تنظرون الى مقاربة امريكا للملف السوري في المرحلة القادمة؟

زارعي: ان ترامب نأى بنفسه عن هذا الملف الذي لايمكن ان تنتصر فيه امريكا واعلن ان سياسات بوش واوباما فشلت في قضايا المنطقة ومنها الأزمة السورية وانه سيتعاون مع روسيا وايران في سوريا لكي لايجلب هزيمة جديدة لأمريكا ومن اجل تخفيف آلام الشعب السوري ومنع صرف الاموال الامريكية من دون نتيجة، ويبدو ان هذا يدل على انتهازية ترامب وذكائه فهو قد اعلن استراتيجيته مسبقا لكن هذا فيه نوع من الخداع لأن استمرار تنفيذ سياسات اوباما في سوريا لم يعد ممكنا في الاساس فالسياسة التي تفشل تنتهي من تلقاء نفسها ولذلك يجب القول ان الاعلان عن تغيير هذه السياسة هو نوع من الخديعة تقوم بها امريكا في الملف السوري.  

المصدر : الوقت

/انتهى/

اشترك في وكالة تسنيم واستلم أهم الأخبار‎
أحدث الأخبار